حافظ الدروبي – رائد الفن.


حافظ الدروبي كان من الرواد البارزين الأوائل الذي اسس مع زملائه الأخرين اللبنة الاولى لصرح الفن التشكيلي المعاصر في العراق.

ولد الفنان حافظ الدروبي بمحلة الصدرية ببغداد عام 1914. وكان أول بروزه كفنان تشكيلي هو في عام 1931؛ في المعرض الصناعي الزراعي الذي كان منطلقا لعدد من الفنانين العراقيين الذين اصبحوا فيما بعد اعلاما مشهورين في الحياة العراقية الفنية.

درس الدروبي الرسم في ايطاليا من عام 1937-1940؛ واكمل دراسته في بريطانيا في جامعة كولد سميث من عام 1947- 1950. و حصل على الشهادات التاليه: شهادة الدبلوم الوطنيه في التصميم ، وشادة سرتفكا في الرسم الزيتي والشهادة العالميه في الفن والحرفه.

وبعد عودته الى ارض الوطن عين عام 1950 استاذا للرسم في كلية الآداب والعلوم. وكان الدروبي عبر أعوام الثلاثينات من القرن الماضي يمارس الرسم والتمثيل والرياضة. وقد أحرز عددا من الميداليات والكؤوس كشهادة على تفوقه واشغاله المراتب المتقدمة. وفي اواسط الاربعينات اكمل دراسته الفنية وجال في رحاب المتاحف والمعارض الاوربية الزاخرة بالأعمال الفنية لكبار الفنانين.

كان الدروبي من الفنانين الفاعلين في جمعية اصدقاء الفن وكان اول من كون مرسما حرا في العراق عام 1942 كما اختار الانطباعية مدرسة له ولجماعته، فانطلقوا بعدها في رحاب المدارس الفنية المختلفة، كل حسب رغبته وتوجهاته. ويعتبر الدروبي من الفنانين الرواد الذين شاركوا في بناء صرح الفن التشكيلي العراقي المعاصر في بداياته الأولى، مع مجموعة من الفنانين المتميزين وعلى رأسهم الفنانين الكبار أكرم شكري وفائق حسن وعطا صبري وغيرهم.

وفي سنة 1951 افتتح معرضه على قاعة متحف الأزياء، قدم فيه 91 عملاً مُنجز اثناء دراسته في بريطانيا، وبدأ مساهماته في المعارض المشتركة كذلك. وفي سنة 1953 تجمع حوله مجموعة من طلابه في مرسم كلية العلوم والاداب، امثال مظفر النوّاب،عبد الأمير القزاز ،حياة جميل حافظ، أرداش كاكافيان و طارق مظلوم وشكلوا جماعة الإنطباعيين العراقيين .وكان معرضهم الأول في سنة 1954. ثم ينتقل المعرض الى البصرة، وهو اول معرض لفنانين عراقيين يقام خارج العاصمة بغداد، وفي سنة 1956، اقاموا معرضهم الثاني، فتصبح الإنطباعية على كل لسان.

وبعد ذلك انضم الى جماعة الإنطباعيين العراقيين علاء بشير وياسين شاكر، سعد الطائي، إبراهيم الكمالي ومنذر جميل حافظ وسعدي الكعبي ظهر الأنطباعيون على الساحة الفنية كحركة قد تكون مهمتها الأساسية اللوحة الفنية قبل كل شيء، لكن وجودها ينتهي في معرضها الثالث في سنة 1968. حيث يتفرق أعضاؤها كل لشأنه الخاص وبحثه الفني، و في عام 1967شغل الفنان حافظ عمادة أكاديمية الفنون الجميلة لمدة سبعة سنوات . و كان ايضا من مؤسسي جمعية الفنانين العراقين.

وقال الدكتور علاء بشير ان الدروبي كان "فنان رائد في تاريخ الفن العراقي المعاصر ، وهو من ابرز مؤسسيه. لقد اتاحت له قدرته الفائقه في حرفة الرسم ان يتحرر من قواعده الاكاديميه . فانبرى يرسم ماتراه عيناه من خلال روحه وعقله لما تعكسه سطوح الاشكال المرئيه.

كان ذلك عاملا ملهما لحافظ الدروبي في تطور تقنيه واسلوب الرسم في لوحاته التي امتد على فتره تجاوزت نصف قرن من الزمن. لوحاته غنيه بالالوان المدروسه بدقه متناهيه يغطي الواحده الاخرى بشفافيه مرهفه تجعل تكرارها ضرب من المستحيل.

والدارس لاعمال الدروبي يدرك ان كل سم مربع واحد يحمل اثار فرشاته عشرات المرات وفي مختلف الاتجاهات. كان حافظ الدروبي عاشق متيم بضوء الشمس وانعكاساته وقد عبر عن ذلك بصدق وشغف وهو يرسم حبيبته بغداد ومحلته القديمه وهي تسبح بضوء الشمس الساطعه. فرسم ازقتها وبيوتها وناسها وعلاقاتهم ورسم بساتين بغداد واورادها ورسم نسائها الجميلات.حتى سمي برسام المدينه بحق. وقد دفعه شغفه بضوء الشمس التخلي عن الاشكال المعروفه ورسم الضوء وانعكاساته وهذا ماظهر في لوحاته التجريديه التي ظهرت وكآنها تسبح بالالوان الشفافه التي تغطي بعضها البعض والتي تذكرنا ما يشاهده رواد الفضاء من جمال الالوان التي تلف الارض من الابعاد السحيقه في الكون .رافقت حافظ الدروبي زمنا طولا ولا اتذكر اني شاهدت احدا يستمتع بشغف وحب صادق بالرسم كحافظ الدروبي ودائما مصحوب بشعور عالي بالمسؤليه" .

يعتبر الفنان حافظ الدروبي الى جانب فائق حسن وخالد الجادر وخالد القصّاب وإبراهيم الكمالي ونجيب يونس، من أبرز من رسموا الطبيعة العراقية بعد الحرب العالمية الثانية، التي كان الفنان الرائد عبد القادر رسام أبرز رساميها في النصف الأول من ذلك القرن.

شارك الدروبي في المعرض الفني الذي أقيم في المعهد الثقافي البريطاني ببغداد سنة 1952. وشارك ايظا في معرض ابن سينا في بغداد سنة 1952. و شارك في جميع المعارض داخل و خارج الوطن.

تزوج الفنان حافظ الآنسة سهيلة الدرويش سنة 1958، لتتغير اعماله لتاخذ طابع الحياة الجديدة، خاصة بعد ولادة إبنه الأول سهيل سنة 1960، وإبنه الثاني وليد سنة 1961، حيث انتج بعض الأعمال التي تتكلم عن العائلة والطفولة.

و في عام 1972 رأس اللجنة الوطنية للتشكيليين المنبثقه عن اليونسكو وتكريمه في مهرجان الواسطي قي بغداد.

لقد حرص الفنان الدروبي، منذ بداية مسيرته الفنية الطويلة على الحفاظ على هوية اسلوبه المدرسي(الأكاديمي) فقد بدأ رساماً واقعياً مقتفياً المنهج المألوف في انتاج لوحات واقعية، مثل المنظور والأبعاد والظل والضوء. وقد رسم عشرات الموضوعات الشعبية اليومية، والمشاهد البغدادية المتميزة، والمناظر الريفية الجميلة، فضلاً عن استلهامه عدة موضوعات تاريخية، وقد استمر هكذا حتى في مرحلته التكعيبية و التجريدية، وهي قليلة قياساً لما قدمه في الواقعية والانطباعية، فقد ظل محتفظاً بشرقية الوانه ورمزيتها، وضرباته الفنية.

فترة زاخرة بالابداع والعطاء بداها الدروبي وانتهى بها عام 1991 حيث رحل تاركا ذكراه على السن اصدقائه ومحبيه.